دور اتحاد العمال في المطالبة بالديمقراطية ( نقلا عن موقع أقلام)

الاثنين 7 نيسان (أبريل) 2014 بقلم عاليتا
أقلام: تمر علينا هذه الأيام الذكرى التاسعة عشر لانطلاقة المسار الديمقراطي، هل لكم أن تحدثوننا عن الظروف التي أحاطت بميلاد هذا المسار؟

عبد الله ولد محمد الملقب النهاه: حين أعلن الرئيس الأسبق ولد الطايع في 15 ابريل 1991 انطلاقة هذا المسار، كانت البلاد وقتها تعيش أزمة شاملة. فمن جهة كان الجفاف يضرب بقوة وكانت الدولة مفلسة لدرجة جعلتها تستخدم أرصدة الشركات العمومية لتسديد رواتب موظفي القطاع العام، كان الحليف الرئيسي للنظام قد خرج لتوه منهزما من الكويت أمام الولايات المتحدة والتحالف الدولي الداعم لها.

ومن جهة أخرى كانت الجبهة الداخلية تغلي بعد تسرب معلومات أولية عن الممارسات البشعة التي تعرض لها العسكريون الزنوج الذين تم اعتقالهم منذ نهاية أكتوبر 1990، حيث كان النظام قد بدأ في إطلاق سراح بعضهم. وكان النظام وقتها وخصوصا ولد الطايع يعيش حالة هلع وقلق على مصيره لدرجة أنه يتصور أنه سيكون الضحية الثانية للتحالف الدولي بعد صدام حسين.

أقلام: كنتم أحد الفاعلين في الأحداث حينها، بصفتكم مسؤول العلاقات الخارجية في اتحاد العمال الموريتانيين، كيف ولدت فكرة مطالبة اتحاد العمال بالديمقراطية كمخرج من الأزمة التي تحدثتم عنها؟

النهاه : أتذكر أنني عدت بداية ابريل من سفر خارج البلاد فوجدت فوق مكتبي في اتحاد العمال نسخة مما عرف حينها بتعميم فبراير 1991 الذي أصدره ولد الطايع. وحين سألت عن مصدرها قيل لي بأنه الأمين العام المساعد السيد محمد اعل ولد إبراهيم الملقب دينا. أتذكر أنني أخذت النسخة وذهبت بها إلى الأمين العام المساعد في منزله حيث شرحت له رؤيتي للموضوع التي كانت تتلخص في أن التعميم يمثل رؤية النظام للخروج من الأزمة، وأنه علينا نحن قيادة اتحاد العمال أن نقدم رؤية بديلة لها خصوصا وأن نصف فترة مأموريتنا قد انقضت دون أن نقدم الكثير.

وخلال نقاشي مع الأمين العام المساعد تحدثت معه حول نقطتين أساسيتين هما ضرورة التحرك من أجل المطالبة بفتح الحوار بين الشركاء الاجتماعيين حول العريضة المقدمة من طرف الاتحاد والمطالبة بتبني الديمقراطية كمنهج لتسيير الشأن العام، وقد وافقني على أهمية النقطتين وضرورة تبني الاتحاد لهما. حينها كان الأمين العام المرحوم محمد محمود ولد محمد الراظي في زيارة عمل خارج البلاد، وبعد عودته تسارعت الأمور بشكل كبير.

كان علينا أن نتصل ببعض رفاقنا وأن ننسق موقفنا مع باقي أجنحة الاتحاد، وهذا ما تم مساء 3 ابريل في منزل المسؤولة النقابية محجوبة بنت السالك بسوكوجيم UPS، حيث جري الحديث في البداية عن نقطتي المفاوضات والديمقراطية، قبل أن يتم الاتفاق على إضافة نقطة ثالثة تتعلق بالمطالبة بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها العسكريون الزنوج الأفارقة. وأتذكر أن الأمين العام المساعد دينا كان شديد الحماس إذ صرح للحضور بأنه إما أن يتم التحرك لتحقيق هذه الأهداف وإما أن يتفرق الجميع بصفة نهائية.

وفي نهاية الاجتماع أخذ الأمين العام، محمد محمود ولد محمد الراظي، خلاصة بأن الاتحاد سيوجه 3 رسائل إلى الجهات المعنية للمطالبة بفتح المفاوضات وبالديمقراطية وبلجنة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وأسندت صياغة الرسالة الأولى إلى المرحوم وان ممادو جبريل فيما تم تكليفي أنا بصياغة الرسالتين الأخيرتين.

أقلام: ما الذي دفعكم إلى إضافة النقطة المتعلقة بلجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان بعد أن استقر رأيكم في السابق على نقطتي الحوار والديمقراطية؟

النهاه: كان موضوع التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وقتها يفرض نفسه على الجميع لأن وحشية الممارسات التي حصلت واتساع مداها وضعاها على رأس أولويات كل الوطنيين الحريصين على وحدة البلاد واستقرارها. وقد كنا على علم بمساع يبذلها بعض السياسيين لإدانة تلك الانتهاكات والمطالبة بالتحقيق فيها، لكن آخر المعلومات التي حصلنا عليها كانت تفيد بتعثر تلك المساعي.

وكنا نتفهم أسباب ذلك التعثر التي تعود بالأساس إلى الطبيعة القمعية للنظام، لكن تصورنا هو أن اتحاد العمال الموريتانيين يجب أن يكون رأس الحربة في النضال من أجل غد أفضل وأن يلعب دوره كاملا، وهو لن يكون كذالك إلا حين يتبنى مختلف القضايا الملحة.

أقلام: كيف تمت المصادقة على الرسائل؟ وكيف كان رد فعل النظام بعد نشرها؟

النهاه: عرضنا مسودة الرسائل على الاجتماع الأسبوعي للجنة التنفيذية لاتحاد العمال المنعقد يوم الخميس 4 ابريل والذي تغيبت عنه العناصر الثلاثة التي لم تحضر الاجتماع التنسيقي المذكور سابقا. وتمت المصادقة على المشاريع المقدمة من دون أي تعديل.

وكان الأمين العام قد طلب من الكاتبات عدم المغادرة مع نهاية وقت الدوام كما طلب من أعضاء اللجنة عدم الخروج من المقر لغاية الانتهاء من طبع وسحب الرسائل. ومباشرة تم إرسال نسخ من الرسائل بالفاكس إلى إذاعة فرنسا الدولية مع طلب عدم نشر أي شيء يتعلق بالموضوع قبل إعطائهم إشارة الضوء الأخضر.

وفي الغد -الذي صادف يوم الجمعة- وصل إلى نواكشوط وزير التعاون الفرنسي مشيل فوزيل في طائرة خاصة وأجرى مباحثات مع ولد الطايع قبل أن يعود إلى بلاده في نفس اليوم. وقد حصلنا فيما بعد على معلومات تفيد بأن ولد الطايع شرط موافقته على الدخول في مسار ديمقراطي بحصوله على تعهد فرنسي بمساعدته في ملف حقوق الإنسان. في نفس اليوم أيضا تم اعتقال تراوري لادجي بعد إدلائه بتصريح لإذاعة فرنسا الدولية حول التجاوزات التي حصلت في حق العسكريين الزنوج الأفارقة.

كان اتحاد العمال ينتظر يوم السبت للبدء في توزيع رسائله على الرئاسة والأمانة الدائمة للجنة العسكرية ووزارة الداخلية والسفارات… وقد جاءت هذه الرسائل مفاجئة للجميع مما أكد لنا أن اللجنة التنفيذية لم تكن مخترقة حتى ذلك الوقت من طرف النظام. وفي نفس المساء تحدث الأمين العام إلى إذاعة فرنسا الدولية التي نشرت الخبر مطالبا بمؤتمر وطني كإطار لمناقشة القضايا المطروحة والبحث لها عن حلول.

كان أول رد فعل لولد الطايع هو إطلاق سراح تراوري لادجي، فقد تصور أن فرنسا تقوم بخداعه وأنها في نفس الوقت الذي تفاوضه فيه تقوم أيضا بتحريض الجبهة الداخلية عليه. وقد كان مخطئا تماما لأن السفارة الفرنسية هي الأخرى اتصلت باتحاد العمال محاولة التعرف على ما يجري. ولم تكن وحدها في ذلك فقد أبدت السفارات الأخرى والصحافة الدولية نفس الاهتمام وأصبح الأمين العام لاتحاد العمال محط اهتمام الجميع.

وقد أعطت هذه الرسائل دفعا ل”رسالة الخمسين” التي وقعها وزراء سابقون ومدراء والعديد من الشخصيات الوطنية يوم 10 ابريل. ومباشرة بدأ ولد الطايع في مشاورات مع العديد من الشخصيات قادته في النهاية إلى إلقاء خطاب عيد الفطر المبارك. كما قام بعزل ولد الحيمر عن الوظيفة العمومية والشغل وعين محمد عبد الرحمن ولد امين مكانه الذي عبر مباشرة عن استعداده لفتح المفاوضات بين الشركاء الاجتماعيين نهاية ابريل.

أقلام: البعض يجعل العامل الخارجي هو الأكثر حسما في اتخاذ ولد الطايع قرار إطلاق المسار الديمقراطي، هل توافقون على هذا الرأي؟

النهاه: بالفعل لا يمكن تجاهل أهمية الضغوط الخارجية التي تعرض لها النظام في إقناع ولد الطايع بقرار الدمقرطة، فقد اشترطت فرنسا على لسان رئيسها -في قمة لابول- دعمها بالتحرك نحو الديمقراطية. كما لا يمكن تجاهل تأثير الأحداث التي عرفتها شبه المنطقة على هذا القرار وخصوصا الطريقة التي تم بها وضع حد لحكم موسى تراوري يوم 26 مارس 1991 في دولة مالي المجاورة.

لكن القرار الذي كان سيتخذه ولد الطايع في غياب الضغط الداخلي كان سيكون نوعا خاصا من الانفتاح خاليا من أية أهمية. ومعلوماتنا كانت تفيد بأنه إنما كان يفكر في تبني نظام يسمح له مثلا بتشكيل حزبه الخاص ومن ثم التفضل شيئا فشيئا على بعض المقربين منه بالسماح لهم بتشكيل أحزاب خاصة بهم. غير أن الضغوط الداخلية خلطت عليه الأوراق وانتزعت منه ما لم يكن مستعدا لإعطائه في الظروف العادية.

نقلا عن موقع ” أقلام حرة” الالكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *