العامة لعمال موريتانيا ترد على الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب

ربما لم يسمع الكثير من الموريتانيين باسم “الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب” ومع ذلك فقد تجرأت هذه المنظمة النقابية بمستوى من الابتذال يتناسب مع تاريخها غير المشرف، على وصف موريتانيا في وثيقة رسمية صادرة عنها بأنها “دولة لا محل لها من الإعراب”!

والغريب في الأمر ليس صدور مثل هذه الاساءة من اتحاد أفنى عمره في مسح أحذية الأنظمة الدكتاتورية، بل هو عدم صدور أي رد فعل من مركزية نقابية موريتانية لا تفتأ تتبجح بانتمائها لهذا الاتحاد وهي اتحاد العمال الموريتانيين! إذ كيف لمنظمة وطنية أن تسكت عن كل هذه الاساءة لوطنها وتعجز عن حتى إعلان تحفظها على سلوك مهين بهذه الدرجة؟

ولمن لا يعرف الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب فهو منظمة نقابية تأسست سنة 1956 في سوريا من طرف نقابات عمالية تنتمي لخمس دول عربية (مصر، سورية، لبنان، الأردن، ليبيا) باعتباره إطارا لوحدة نضال الطبقة العاملة العربية، غير أنه سرعان ما تحول –كغيره من مؤسسات العمل العربي المشترك- إلى أداة طيعة لخدمة الأنظمة الحاكمة وسيف مسلط على تطور الحركة النقابية واستقلاليتها.

لذلك لم يكن صدفة أنه بدأ يترنح مع هبوب النسائم الأولى للربيع العربي، باعتباره وكرا لنقابات الأنظمة الأحادية وعدوا لدودا للتعددية النقابية لم يعد قادرا على مواصلة نشاطاته التخريبية والقمعية في ظل أجواء الحرية التي بدأت تنتعش داخل العديد من بلدان وطننا العربي.

وكما أن تجربة الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب لم تكن مشرفة على مستوى الوطن العربي، فإن الحركة النقابية الموريتانية لا تستطيع أن تتذكر موقفا واحدا مشرفا لهذا الاتحاد، بل إنها لا تتذكره إلا من خلال دعمه للانقلاب النقابي الذي قامت به السلطة ضد القيادة المنتخبة لاتحاد العمال الموريتانيين واحتضانه للقيادة الجديدة المعينة مدة 10 سنوات وبعد أن انتهت مأموريتها.

ولعلها تتذكره أيضا حين احتضن القيادة المنبثقة عن المؤتمر الذي عقدته هذه المركزية سنة 2003 والتي تولى أمانتها العامة مدير عام لمؤسسة خصوصية مدعوم من طرف السلطة.

وهو الاحتضان الذي لم يمنع هذا الاتحاد من التهجم غير المبرر على موريتانيا لمجرد أن مجموعة من نقاباتها المستقلة شاركت في اجتماع لبعض أهم النقابات العربية لتدارس واقع العمل النقابي العربي المشترك وضرورة تشكيل تنظيم نقابي بديل للهيكل المتهرئ للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب الذي تحول مؤخرا إلى مجرد أداة لتحقيق مصالح أمينه العام الذي هو أحد أيتام القذافي والمتباكين على عهود الدكتاتورية والتآمر على مصالح العمال.

وللأسف فإن هذا التهجم اللا أخلاقي ليس الأول من نوعه لأنه يذكر الموريتانيين بالتصريحات المسيئة للرئيس المصري السابق انور السادات بعد زيارته للدولة الصهيونية وكأن قدر كل مسؤول عربي أوغل في خيانة القضايا القومية الكبرى أن لا يجد أمامه سوى الاستهزاء بموريتانيا والإساءة لشعبها رغم أنها تبقى أكبر من هؤلاء ومن أوهامهم الصغيرة وقصر نظرهم وغياب حس المسؤولية القومية لديهم.

بالنسبة لهؤلاء قد تبدو موريتانيا وكأنها “لا محل لها من الاعراب” ما دامت ليست قوة اقتصادية من الحجم الذي يشبع نهمهم لتمجيد القوة ويظهر تهافت ثقافتهم النقابية التي لا تقيم وزنا للتضامن إلا حين يتعلق الأمر بخدمة مصالحهم الأنانية. ولا يهمهم ما إذا كانت موريتانيا ظلت على مر تاريخها مركز إشعاع ثقافي وروحي ومصدر دعم ثابت لمختلف حركات التحرر في منطقتها وعبر العالم.

كما لا يهمهم بالطبع أن تاريخ حركتها النقابية حافل بالعطاء وبالشهداء في سبيل القضاء على هيمنة القوى الاستعمارية وشركاتها متعددة الجنسية ومن أجل استقلالية القرار النقابي في مواجهة مختلف الأنظمة التي حكمت البلاد.

وبالطبع لن يأسف الموريتانيون كثيرا على أن الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب لم يتعرف بعد على “محل” دولتهم من الإعراب، لكنهم سيكونون قادرين على “إعراب” هذا الاتحاد الذي يبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى “مفعولا به” مع علامته المميزة البارزة التي ليست شيئا آخر سوى “النصب”.

وإذا كان اتحاد العمال الموريتانيين العضو في هذا الاتحاد، مستعد للتغاضي عن إهانة بلده، فإننا في الكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا نرفضها ونستنكرها ونحتفظ لأنفسنا بالحق في مقاضاة اتحاد لا تجد قيادته حرجا في إهانة شعب بأسره لمجرد أنها على خلاف مع بعض المنظمات النقابية. مع احترامنا الكامل للعمال المنضوين في النقابات المشكلة له.

اننا ندرك جيدا مدى الهلع الذي أصاب قيادة الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، منذ بدأ الحديث بشكل جدي عن ضرورة وضع حد لهيمنتها على الحياة النقابية العربية من خلال تأسيس بديل نقابي قادر على تحقيق تطلعات الحركة العمالية في الظرفية الراهنة من تطور وطننا العربي. ونتشرف بأننا إلى جانب منظمات نقابية مستقلة من موريتانيا وغيرها من الدول العربية، نساهم بنشاط في تأسيس هذا البديل الذي سيشكل بالفعل ضربة في الصميم للمؤسسات المهترئة القائمة.

ذلك أن المفارقة المتمثلة في ارتفاع نسب الفقر والبطالة في منطقة من أغنى بقاع العالم، تعكس مدى الحاجة لميلاد حركة نقابية قادرة على فرض إدارة أفضل للاقتصاد وإعادة توزيع أكثر عدالة للثروات.

نواكشوط بتاريخ 28 يوليو 2013

الأمانة العامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *