هوامش على مشروع قانون

تعكف وزارة الوظيفة العمومية والعمل وعصرنة الإدارة على مشروع قانون يلغي ويحل محل القانون 207_ 71 الصادر بتاريخ 5 أغسطس 1971 المتعلق بممارسة الموظفين لحق الإضراب.

ومشروع القانون المذكور معروض هذه الأيام على المجلس الأعلى للوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، ونظرا لخطورة هذا المشروع فإن النقابة المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي (SIPES) والنقابة الوطنية للتعليم الثانوي (SNES) تضعان بين أيد الأساتذة وكافة عمال الوظيفة العمومية والنقابات والأحزاب السياسية والبرلمانيين وكل ذي ضمير حي بعض الملاحظات التي تكشف خطورة هذا المشروع، وتتمثل هذه الملاحظات في النقاط التالية:

1. فيما يتعلق بأصل الحق في تقديم الإخطار بإضراب، نصت المادة 2 من القانون القديم على ما يلي: ((يصدر هذا الإنذار المسبق عن نقابة مهنية مؤسسة بطريقة نظامية ويعترف بتمثيليتها على المستوى الوطني، وينبغي أن يصل هذا لإنذار إلى الوزارة المكلفة بالوظيفة العمومية والعمل ثلاثين يوما قبل بدء الإضراب.
ويبين الإنذار المسبق أسباب الإضراب وموعده (تاريخه ووقته) ومدته)).
في حين نصت المادة 3 من المشروع الجديد على ما يلي: ((يصدر الإشعار المسبق عن المنظمة النقابية الأكثر تمثيلا على الصعيد الوطني في الفئة المهنية أو المصلحة أو الهيئة المعنية ويوضح الإشعار دوافع اللجوء إلى الإضراب وساعته ومكانه، وكذلك إن كان الإضراب المرتقب محدودا أو غير محدود.
يجب إبلاغ الإشعار قبل 15 يوما من بدء الإضراب إلى الوزير المكلف بتسيير القطاع المعني، حيث يبلغ وزير الوظيفة العمومية ووزير الشغل)).
والمقارن بين النصين يدرك ما يلي:

• أن النص القديم، رغم صدوره في ظرف يتسم بالأحادية الحزبية والنقابية، منح هذا الحق لأي “نقابة مهنية مؤسسة بطريقة نظامية ويعترف بتمثيلها على المستوى الوطني.”
أما النص الجديد, والذي يصدر في ظرف يوصف بأنه ديمقراطي يعترف فيه بالتعددية فإنه يحصر حق الإضراب في النقابة الأكثر تمثيلا، وهو ما لا مسوغ له عدا إرادة قطع الطريق أمام الإضرابات وفرض الأحادية التي تواكبها غالبا المحسوبية السياسية والتملق والانتفاع.
والغريب في الأمر أن مشروع القانون الذي يحتكر حق الإضراب للنقابة الأكثر تمثيلا مقدم من طرف حكومة لا تعترف بوجود نقابة أكثر تمثيلا من غيرها، مما يعني أنه لا توجد نقابة لها الحق في الإضراب. أما الدعوى بأن الحكومة مقبلة على تنظيم انتخابات عمالية لمعرفة النقابات الأكثر تمثيلا، فإن القوانين لا تبنى أصلا على الفرضيات المستقبلية، أحرى في منطقة يطغى عليها عدم الاستقرار، وتقلب السياسات.

• تعرض النص الجديد لتقليص الفترة اللازمة لإبلاغ الإشعار إلى 15 يوما بدل 30 يوما في النص القديم، وهو أمر مقبول وإن كان مازال قاصرا عن الفترة المحددة في القطاع الخاص والتي لا تتجاوز 10 أيام عمل متتالية.

2. فيما يتعلق بالمضربين وقت الإضراب ورد في الفقرة الأولى من المادة 5 من المشروع الجديد ما نصه: “يجب على العمال المضربين أن ينسحبوا من المباني”، وهذه الفقرة من الزيادة على النص القديم، وعلاوة على أنه لا مسوغ لها عمليا لنضج العمال ووعيهم، فإنها تتجاهل خصوصية العديد من القطاعات حيث يكون عمالها مضربين عن بعض وظائفهم دون الوظائف الأخرى، كأساتذة التعليم العالي الذين ربما أضربوا عن التدريس دون البحث العلمي، فوجودهم داخل المباني ضرورة لممارسة الوظائف الخارجة عن نطاق إضرابهم، كذلك أساتذة التعليم الثانوي المعينون في هيئة التأطير والذين يمارسون التدريس فإنهم يضربون عن التدريس بوصفهم مدرسين ولا يضربون عن العمل الإداري باعتبارهم من هيئة التأطير، وهكذا الأمر في العديد من الوظائف.
3. وفيما يتعلق بمستوى ممارسة الحق وإمكانية التأثير المتوخاة من الإضراب، تعرضت المواد 6، 7، 8 من مشروع القانون – وكلها جديدة – لمصطلح الحد الأدنى من الخدمة:

• فأوجبت المادة 6 إقرار هذا الحد الأدنى من الخدمة حفاظا على ما أسمته النظام العام وسلامة الأشخاص والأملاك.

• أما المادة 7 فأسندت مهمة تحديد الحد الأدنى من الخدمة لمرسوم يتخذه مجلس الوزراء, وهو ما يزيد تضييق الخناق على ممارسة الإضراب، فمن يضمن ألا يرد في المرسوم اعتبار أغلب القطاعات تمثل مرفقا حيويا لا يجوز الإضرار به، وأن استمرار العمل فيه يعد حدا أدنى من الخدمة؟. هذا وقد نصت لجنة الحرية النقابية بمنظمة العمل الدولية على أن بعض الأنشطة لا تعد جوهرية وبالتالي لا يجوز مضايقة عمالها في حق الإضراب ومنها على سبيل المثال:عمال المواني بصفة عامة، إصلاح الطائرات، وجميع خدمات النقل، البنوك، الأنشطة الزراعية،المناجم، الصناعات المعدنية والبترول، التعليم، توريد وتوزيع المواد الغذائية…

• أما المادة 8 فتنص على تعرض الموظف الذي يمتنع من الاستجابة لتنفيذ ما يسمى الحد الأدنى من الخدمة للعقوبات فضلا عن الضمانات التأديبية، وهو ما يفتح الباب واسعا للمسؤولين لمعاقبة كل مضرب بحجة أنه لم يستجب للحد الأدنى من الخدمة.
4. ومن حيث تسليط سيف القانون على النقابيين يأتي مشروع القانون بمادة جديدة كذلك هي المادة 10 لتعتبر كل شخص يشجع أو ينظم توقفا عن العمل بما يتنافى مع القيود المذكورة في النص مسؤولا عن الأضرار التي تلحق بالمستفيدين من المرافق العامة المعنية، وتنفرد المحكمة المدنية للقانون العام بالبت في الدعوى بالمسؤولية عن هذه الوقائع، ولا تتقادم الدعوى إلا بعد مضي ثلاث سنوات على استئناف الخدمة.في المرفق العام

نداء:

انطلاقا من الملاحظات المتقدمة تتجلى خطورة هذا المشروع الذي يرمي إلى العودة بنا إلى حقب سحيقة من الزمن المظلم، من عهود الكبت والديكتاتورية المشرعة في عهد تتنامى فيه موجات التحرر والانعتاق، وبناء على ما تقدم فإننا نقرع صفارات الإنذار للفت انتباه الأساتذة وكافة عمال الوظيفة العمومية والنقابات والأحزاب السياسية والبرلمانيين وكل ذي ضمير حي إلى ضرورة الوقوف في وجه هذا المشروع بكل وسيلة من أجل العمل سوية على تصحيحه أو إجهاضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *