ردا علي وزير التعليم الثانوي و العالي

في خطاب متلفز موجه إلي الأساتذة والتلاميذ وآباءهم تناقلته وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية تحدث معالي وزير التعليم الثانوي والعالي ، بلغة خشبية, عن "الإنجازات الكبرى" في مجال محاربة الفساد وتشييد الطرق و تجهيز المستشفيات وتأهيل أحياء الصفيح التي تحققت في وقت قياسي و التي تكللت بالمراسيم المتعلقة "بالزيادات المعتبرة في العلاوات" التي أقرتها الدولة" بمحض إرادتها و بعيدا عن أي ضغوط" في الوقت الذي يعكف "القائمون على القطاع على تصور الحلول المناسبة للمشاكل التي يعاني منها القطاع", الشئ الذي كان من المفروض أن تهلل لها نقابات الأساتذة و تطبل لولا طغيان "الاعتبارات الضيقة علي أخلاقيات العمل النقابي لدي البعض" الذي كانت ردة فعله علي الإجراءات التحسينية " مخيبة للآمال بكل المقاييس"! و لم يفت الوزير بالمناسبة أن يشيد بموقف منسقية نقابات التعليم الثانوي المناهضة للإضراب قبل أن يشن هجوما لاذعا على الأساتذة المضربين واصفا إياهم" بأصحاب الحسابات الضيقة الذين يسعون إلي زعزة السير العادي للعملية التربوية" والذين" لم يتمكنوا , بحججهم الواهية , من خداع جمهور أساندة التعليم الثانوي الذي لم يفته أن السبب الحقيقي لهذا الإضراب لا علاقة له أصلا بموضوع العلاوات و أنه قد تكون له جذور بعيدة كل البعد عن هموم الأساتذة و التربية و التعليم". وخلص إلي القول بأن تحليله الموضوعي يؤكد بأن ما حدث أيام 15 .16 و 17 مارس 2010 شكل فشلا ذريعا لدعاة الإضراب و نصرا بينا للأستاذ المهني! وأشار أخير إلي أن القطاع بدأ " مشوار إصلاح اعتمد آليات التشاور مع كل المعنيين بالشأن التربوي يهدف إلي تحسين الأداء واستعادة المصداقية والثقة بالمنظومة التربوية" هذا الخطاب المرتبك , ربما من هول الصدمة, و الملئ بالتناقضات و المغالطات يثير من طرفنا جملة من الملاحظات نلخص أهمها فيما يلي: -لا جدال مطلقا في أن إحراز أي تقدم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية يقوم كليا على التعليم، وبالتالي فإن مستقبل الشعوب يتقرر في أروقة المدارس والجامعات؛ الأمر الذي جعل التعليم مسئولية الحكومات أولاً، فهي التي تضع السياسات المناسبة لتنمية هذا القطاع ولكنها في ذالك يجب أن تنطلق من كون عملية التعليم ترتكز على أساسين هما " المتعلم، المعلم " تتوسط العلاقة بينهما عدة مؤثرات أهمها " المناهج التعليمية، الإدارة التعليمية، السياق الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي. و لا جدال أيضا في أن التعليم في بلادنا يعيش وضعية متدهورة بسبب تراكم الإختلالات الهيكلية و السياسات الارتجالية وغياب إستراتجية واضحة المعالم لدي القائمين علي الشأن العام في هذا الميدان. وعلي الرغم من أن الوزير ريما يدرك هذه الحقيقة ـ والتي اعترف بها رئيس الجمهورية في مهرجانه الأخير في عرفات ـ إلا أنه أعطي الانطباع من خلال هذا الخطاب بأنه لا يعير كبير اهتمام لواقع القطاع و لا لمستقبله. حيث كان خطابه,إقصائيا وغير متوازن ولا ينبأ برغبة جادة لدي الحكومة في معالجة موضوعية لمشاكل القطاع أثناء " الأسابيع التفكيرية و التشاورية حول التعليم و التكوين" المزمع تنظيمها مستقبلا. فهل هناك ما يمنع الأساتذة من ممارسة حقهم في حماية مصالحهم و الدفاع عنها ؟ وهل المشاركة في إضراب مشروع مستوفي لكل مقتضيات المسطرة القانونية تنفي عن الأستاذ صفة المهنية؟! وهل "أخلاقيات العمل النقابي" تقتصرـ كما يراها معالي الوزيرـ في مساندة حراك ما بعد استحقاقات يوليو 2009 ؟! و من قال إن علاوة النقل و السكن التي أقرت مؤخرا منصفة و عادلة و معتبرة؟ ثم إذا كانت نسبة الغياب في معظم مؤسسات التعليم الثانوي ـ كما يؤكد الوزيرـ لا تختلف كثيرا عن نسبة التغيب اليومية العادية فلماذا يتحدث إذن عن إضراب؟! -لقد بدا واضحا للعيان أن رسالة الأساتذة التي عبروا من خلالها عن استيائهم من الوضعية التي يعيشها القطاع و العاملون فيه وعن رفضهم القاطع للتهميش و الاستبعاد أثناء اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيرهم وصلت إلي الجهات المعنية التي , وبدل أن تستخلص من ذالك العبر, تمادت في تعنتها ورفضها للحوار الذي سيظل , رغم ذالك, الطريق الوحيد للتغلب علي كافة المشاكل المطروحة و إيجاد الحلول المناسبة لها عبر إشراك كافة المعنيين و المهتمين بالموضوع في مسار البحث عن حلول ناجعة وفعالة و مستديمة " فكل ما تفعله من أجلي بدوني فـأنت تفعله ضدي" كما قال الحكيم غاندي . وتعقيبا علي استنتاجات الوزير بخصوص حجم المشاركة في الإضراب التي توصل إليها عبر تحليل موضوعي للمعطيات فلنترك لغة الأرقام ـ التي يفهمها ا أستاذ الرياضيات جيد !ـ تتحدث : – في ثانوية كيهيدي أضرب 51 أستاذ من أصل 57 – في إعدادية البنات في أطار 9 من أصل 14 – في شنقيط 10 من أصل 10 – في اوجفت 7 من أصل 7 ـ في إعدادية تجگجة 10 من أصل 10 ـ وفي ثانوية تجگجة 27 من أصل 30 ـ في ثانوية اگجوجت 23 من أصل 29 ـ في إعدادية بوگي 23 من أصل 25 ـ وفي ثانوية بوگي 18 من أصل 22 هذه أمثلة فقط من بين حالات كثيرة وهي حقائق تعرفها مصالح الوزارة جيدا ويعرفها الوزير نفسه لكنه يحاول ـ عبثاـ تجاهلها. -لقد غاب عن بال الوزيرحقيقة أن التعليم في بلادنا هو شأن الطبقات الفقيرة بامتياز. ذالك أن جل المشتغلين بالقطاع ـ إن لم نقل كلهم ـ ينحدرون من أوساط فقيرة حيث لا يجد حملة الشهادات الجامعية من هذه الأوساط من سبيل إلي تأمين لقمة العيش إلا عن طريق المشاركة في مسابقات اكتتاب المدرسين في التعليم الأساسي و الثانوي. ثم إن كل التلاميذ, بدون استثناء , هم من أبناء الفقراء لأن الأغنياء اعتاد أكثرهم إرسال أبناءه للدراسة في الخارج ومن منهم لم يتسنى له ذالك يلجأ إلي تسجيلهم في المدرسة الفرنسية. وعليه فان الأستاذة, عندما قرروا الدخول في العملية الاحتجاجية و التي هي ـ بالمناسبةــ وسيلة و ليست غاية بحد ذاتها, كانوا يدركون جيدا أن المتضررـ في كل الأحوال ـ هم الفقراء و أبناء الفقراء. ولذالك فان الأساتذة لا يقبلون مطلقا المزايدة علي موقفهم في هذا الشأن. -ليس صحيحا مطلقا ما يروج له البعض ـ و من بينهم الوزيرـ من كون العلاوات التي أقرتها الحكومة شكلت زيادة معتبرة لأجور الموظفين وأرست قواعد العدل و الإنصاف بين هؤلاء! بداية لأن المراسيم المحددة لهذه العلاوات خالفت أحكام النصوص القانونية المعمول بها في البلد و خاصة مقتضيات المادة 24 من القانون 09 /93 بتاريخ 18/01/1993 المتضمن للنظام الأساسي للموظفين والوكلاء العقدويين للدولة و التي تنص علي أن إلزامية استشارة المجلس الأعلى للوظيفة العمومية , وهو هيئة تناصفية تتشكل من ممثلي الإدارة و ممثلي العمال, حول كل تعديل يستهدف الأجور و المرتبات و الامتيازات الاجتماعية. ثم إن كبار المسؤلين في البلد لما يتعودوا بعد علي التفريق بين المال العام و الخاص. فالمال العام هو ملك للجميع وبالتالي فهو يخضع في توزيعه لآليات و مساطر خاصة. ولا يحق لأي كان, رئيسا كان أو وزيرا, أن يستأثر بالمال العام ويقرر, لوحده, من يستفيد منه ومن لا يستفيد أو أن يحدد, بشكل منفرد، متى يعطيه و متى يمنعه. وعليه فكان يتوجب إشراك المعنيين ـ من معلمين و أساتذة ـ قبل تحديد المخصصات المالية لعلاوات النقل و السكن. وعلي أية حال فان التوزيع غير العادل للثروة أفضل من التوزيع العادل للبؤس! -إن كل المؤشرات أثبتت بما لا يدع مجالا للشك نجاح منقطع الإضراب بشكل منقطع النظير و لا أدل علي ذالك من تجاهل الإعلام الرسمي التام لهذه الحركة الاحتجاجية في الوقت الذي حظيت بتغطية شاملة في الصحافة المستقلة و وسائل الإعلام الأجنبية ولعل خطاب الوزير يدخل في إطار الحملة الشعواء التي تشنها جهات معينة علي المنظمات النقابية محاولة بذالك التغطية علي فشلها الذر يع في تسيير الشأن العام. وكما ذكرنا آنفا فالإضراب لم يكن هدفا في حد ذاته لأن الموظفين وجدوا أنفسهم مرغمين علي اتخاذ مثل هكذا قرار في ظل موقف السلطات المعنية المتعنت و الرافض للحوار مع الشركاء الاجتماعيين. ومع ذالك يبقي الحوار الجاد و البناء هو الطريق الأوحد لحل المشكلات و تجاوز الصعاب و الحفاظ علي الوئام و السلم الاجتماعي. و وعيا منا بهذه الحقيقة فإننا نجدد مطالبتنا بفتح حوار بين الشركاء الاجتماعيين يهدف إلي مراجعة المراسيم السالفة الذكر في إطار تشاوري يشارك فيه كل المهتمين و المعنيين بالموضوع بحيث يصبح التشاور سنة دائمة في التعاطي مع كل القضايا العامة التي تمس مصالح الجميع.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *